محمد بن زكريا الرازي
95
الحاوي في الطب
بعد نضج وخف من العليل فإنه بحران لا محالة وإذا حدث في السادس أو قبل النضج فإنه رديء قتال . من « محنة الأطباء » ؛ قال : المرأة قد يكون بحرانها بانبعاث الطمث . وقال : كان مريض به ورم في بطنه وحمى حارة وقد بلغ به الضعف إلى أن أهله يغذونه بالليل ، فلما جسست نبضه علمت أن به ورما عظيما في بطنه وأن منتهى مرضه قريب جدا أمرت أن يمسك عن الغذاء وقدرت أن يجيئه بحرانه بعد يوم ، وعلمت أنه لا يموت من ترك الغذاء يوما واحدا وأنذرت أنه سيعرق في تلك الليلة التي بعد ذلك اليوم ويبرأ ، فلما كان في تلك الليلة قلق المريض جدا وتوثب واختلط ولم يعرق فجاءني قيمه وهو يشير في كلامه إلى أني أخطأت في المنع من تغذيته ، فتفكرت في تأخر البحران فإذا تأخره من أجل برد بيته الذي هو فيه ، فأمرت أن يدخل بيتا دفيا فيه وقود ، فإذا سخن بدنه صب على بدنه دهن حار إلى أن يبتدئ يعرق ، فإذا بدأ يرعق كف عن الصب وأعن بمسح العرق . وأعلمتهم أنه لا يجيء منه شيء كثير ، وأمرتهم أن يغذوه بعده ، فعرق وبرئ وبقيت بقية قليلة عالجتها في أيام ، ولو أن غيري عالجه صب على رأسه دهن ورد وغذاه وبرده ، فكان يقتله هذا . يقول : إنه يكون بحران لورم الأحشاء بالعرق ، وما أقل بحران الحميات المحرقة الورمية إلا بالرعاف ، ولا يكاد ينقضي بها أيضا لكن تبقى بقية تتحلل أو تنضج على الزمان . من « كتاب الدلائل » ، قال : إذا بادر البحران فكان قبل النضج فإنه إما أن يؤول إلى الموت وإما إلى طول البحران وعسره وتعذره . فانظر بعد ذلك ، فإن كان بعد هذه العلامات لم ينفع المريض ولم يضره لكن بقي المرض بحاله فاعلم أن البحران يستعذر فقط وإن أضر به ضررا بيّنا حتى سقطت قوته جدا أو اختلط العقل أو ورثه عطشا أو زيادة لهيب فاعلم أنه سيموت . علامات البحران إن كانت هذه : مثل الكرب والتوثب من الفراش ونحوه أو أسباب البحران كالقيء والرعاف . قال : ظهور علامات البحران - مثل ثقل الرأس وإظلام العين وعدم الاستفراغ بعده البتة أو قلته - يدل على أن الطبيعة ضعفت ، تجتهد أن تعمل بحرانا ولا تقوى عليه ، ولذلك الحال ردية . فإن كان استفراغ ، إلا أنه قليل - مثل قطر دم ضعيف من الأنف أو عرق قليل في بعض الأعضاء - فيدل على مثل ذلك ، أي أن الطبيعة لا تقوى على دفع العلة على أن الخلط حار دموي حتى تتحرك وتضطر أن تدفعه ثم تخور ولا تقوى عليه . وعند هذه الأحوال فحال المريض رديء . فإن ساءت حاله بعقب هذه أكثر فإنه ميت ، وإن لم تسوء فإن مرضه يطول . لي : إذا لم يكن في الرابع أو في سائر الأيام - أعني أيام الإنذار - دليل على النضج فإنه لا ينذر بأنه يكون النضج في اليوم الذي أنذر به أشد تخلفا بل قد يمكن أن يكون في ذلك اليوم تظهر إما علامات النضج خفية وإما صالحة .